القرطبي
306
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مالك وأصحابه : إن اقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل جنسه ، وإن اقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه وحنث بأكل غيره ، وعليه حملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهي عن شجرة عينت له وأريد بها جنسها ، فحمل القول على اللفظ دون المعنى . وقد اختلف علماؤنا في فرع من هذا ، وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزا منها على قولين ، قال في الكتاب : يحنث ، لأنها هكذا تؤكل . وقال ابن المواز : لا شئ عليه ، لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزا فراعى الاسم والصفة ولو قال في يمينه : لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها " . وفيما اشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف . وقال آخرون : تأولا النهي على الندب . قال ابن العربي : وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا ، لقوله : " فتكونا من الظالمين " [ البقرة : 35 ] فقرن النهي بالوعيد ، وكذلك قوله سبحانه : " فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى " ( 1 ) [ طه : 117 ] . وقال ابن المسيب : إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فسكر وكان في غير عقله . وكذلك قال يزيد بن قسيط ، وكانا يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل . قال ابن العربي : وهذا فاسد نقلا وعقلا ، أما النقل فلم يصح بحال ، وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال : " لا فيها غول " . وأما العقل فلان الأنبياء بعد النبوة معصومون عما يؤدي إلى الاخلال بالفرائض واقتحام الجرائم . قلت : قد استنبط بعض العلماء نبوة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى : " فلما أنبأهم بأسمائهم " [ البقرة : 33 ] فأمره الله تعالى أن ينبئ الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل . وقيل : أكلها ناسيا ، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد . قلت : وهو الصحيح لاخبار الله تعالى في كتابه بذلك حتما وجزما فقال : " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ( 1 ) " [ طه : 115 ] . ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقظ لكثرة معارفهم وعلو منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكر النهي تضييعا صار به عاصيا ، أي مخالفا . قال أبو أمامة : لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم ، وقد قال الله تعالى : " ولم نجد له عزما " .
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 251 وص 253